اسماعيل بن محمد القونوي

27

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

ذكر في الكشاف فعلى هذا قوله تبارك جملة معترضة والأحسن أن المعطوف عليه مقدر قيل قوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا [ الفرقان : 11 ] كما ذكرنا والمعنى فقصرت لإنكارهم الحشر أنظارهم وأفكارهم ومساعيهم على الحطام أي على تحصيل الأموال الفانية سريعا أو فقصرت أنظارهم والتفاتهم على الحطام أي زخارف الدنيا وزينتها فلا حاجة إلى تقدير المضاف قوله وظنوا الخ يؤيد المعنى الأخير . قوله : ( إن الكرامة إنما هي بالمال فطعنوا فيك بفقرك ) إن الكرامة أي العزة والشرافة منحصرة على المال لا غير وتسبب ذلك كله طعنك بفقد المال فطعنوا فيك وقالوا : فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ [ الزخرف : 53 ] الآية ولما كان هذا التكذيب سببا لهذا القول كان التكذيب أعجب من هذا القول . قوله : ( أو فلذلك كذبوك ) أي لأجل تكذيبهم بالساعة كذبوك لأن من كذب الساعة لا قوله : أو فلذلك كذبوك عطف على قوله فقصرت أنظارهم فسر رحمه اللّه قوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ [ الفرقان : 11 ] بوجوه أربعة الوجه الأول أن يكون هو كلاما متصلا بما طعنوا به فيه من الفقر حيث قالوا أو يلقى إليه كنزا وتكون له جنة واردا في معرض التعليل والمعنى أن طعنهم ذلك لقصر نظرهم على الاعراض الدنيوية من المال والمنال وتكذيبهم بالساعة والوجه الثاني أن يكون هذا كلاما متصلا بتكذيبهم له عليه الصلاة والسّلام بأن قالوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ والمعنى بل كذبوا بالساعة فلذلك كذبوك فيما ادعيت أنه رسول وإن ما جئت به كلام اللّه والوجه الثالث أن يكون متصلا بما يليه من قوله سبحانه : تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ [ الفرقان : 10 ] الآية والمعنى كيف يصدقون بهذا الجواب المفصح عن وعده بجزيل الثواب في الآخرة والمجازاة الأخروية إنما تكون بعد قيام الساعة وهم يكذبون بها ومن يكذب بقيام الساعة لا يصدق بهذا الجواب الناطق بثبوتها والوجه الرابع أن يكون معطوفا على ما حكي عنهم وموصولا به والمعنى بل أتوا بأعجب من ذلك وهو التكذيب بالساعة فلا تتعجب بتكذيبهم إياك والفرق بين الوجه الثاني والرابع مع أن كليهما على تقدير كونه إضرابا عن قولهم إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افتريه أن الوجه الثاني مبني على كونه تعليلا لتكذيبهم إياه عليه الصلاة والسّلام والوجه الرابع مبني على نفي التعجب عن تكذيبه وتسلية رسول اللّه قال الإمام رحمه اللّه أجاب اللّه تعالى عن شبهتهم بوجوه أحدها قوله انظر كيف ضربوا لك الأمثال وبيانه أن الذي يميز الرسول عن غير الرسول هو المعجزة وهذه الأشياء المذكورة لا يقدح شيء منها في المعجزة كأنه قيل انظر كيف اشتغل القوم بضرب هذه الأمثال التي لا فائدة فيها لأنهم ضلوا وأرادوا المقدح في نبوتك فلم يجدوا إلى القدح سبيلا وثانيها قوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ [ الفرقان : 10 ] أي من الذي ذكروه من نعم الدنيا كالكنز والجنة وفسر الخير بقوله : جَنَّاتٍ [ الفرقان : 10 ] فنبه بذلك على أنه قادر على أن يعطي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كلما ذكروه لكنه تعالى يعطي عباده بحسب المصالح أو على وفق المشيئة ولا اعتراض لأحد عليه سبحانه وثالثها قوله : بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ [ الفرقان : 11 ] كأنه قيل ليس ما تعلقوا به شبهة علية بل الذي حملهم على تكذيبك تكذيبهم بالساعة ويحتمل أن يكون المعنى أنهم يكذبون بالساعة فلا يرجون ثوابا ولا عقابا ولا يتحملون كلفة النظر والفكر فلهذا لا ينتفعون بما ورد عليهم من الدلائل .